عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
106
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
غير موجودين في أزلية الحق ، فأزل الحق أزل الآزل ، وهو له حكم ذاتي استحقه لكماله . واعلم أن الأزل لا يوصف بالوجود ولا بالعدم ، فكونه لا يوصف بالوجود لأنه أمر حكمي لا عيني وجودي ، وكونه لا يتصف بالعدم لكونه قبل النسبة والحكم والعدم المحض فلا يقبل نسبة ولا حكما ، ولهذا انسحب حكمه فأزل الحق أبده ، وأبده أزله . واعلم أن أزل الحق الذي هو لنفسه لا يوجد فيه الخلق لا حكما ولا عينا ، لأنه عبارة عن حكم القبلية للّه وحده ، فلا حكم للخلق في قبلية الحق بوجه من الوجوه ، ولا يقال إن له في قبلية الحق وجودا من حيث التعيين العلمي لا من حيث التعيين الوجودي ، لأنه لو حكم له بالوجود العلمي لزم من ذلك أن يكون الخلق موجودا بوجود الحق ، وقد نبه الحقّ تعالى على ذلك في قوله : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً « 1 » . واتفقت العلماء أن « هل » في هذا الموضوع بعمنى قد ، يعني قد أتى على الإنسان حين من الدهر ، والدهر هو اللّه ، والحين تجلّ من تجلياته « لم يكن شيئا » يعني أن الإنسان لم يكن شيئا « مذكورا » ولا وجود له في ذلك التجلي ، لا من حيث الوجود العيني ولا من حيث الوجود العلمي ، لأنه لم يكن شيئا مذكورا ، فلم يكن معلوما . وهذا التجلي هو أزل الحق الذي لنفسه ، وما ورد من أن اللّه قال في الأزل للأرواح : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى « 2 » فإن ذلك الأزل من أزل المخلوقات . ألا تراه يقول : أخرجهم كالذر من ظهر آدم عليه السلام ، وتلك عبارة عن حال تعين المعلومات في العالم العلمي ، فتشبههم بالذرّ للطفهم وغموضهم وعنوان قوله لهم : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ هو جعل الاستعداد الإلهي فيهم ، وقولهم بلى عنوان القابلية التي بها قبلوا أن يكونوا مظهره ، فما سألهم الحق سبحانه عن كونه ربهم إلا وقد علم ما جعل فيهم من الاستعداد وفطرهم عليه من القابلية أنهم يثبتون ربوبيته ولا ينكرونها ، فقالوا : بلى ، فشهد لهم تعالى في كتابه ليشهد لهم يوم القيامة أنهم مؤمنون بربوبيته موحدون له ، لأنا شهداء على الناس فلا يقبل منهم يومئذ شهادة الأملاك بكفرهم وجحدهم ، لأنهم لم يحصل لهم هذا الاطلاع الإلهي بباطن ما كانوا يظنون أنه كفر ، فشهادتهم عن غير تحقيق
--> ( 1 ) آية ( 1 ) سورة الإنسان . ( 2 ) آية ( 172 ) سورة الأعراف .